الملوك الثاني - معجزة تعويم رأس الفأس الحديدي

1 - وَقَالَ بَنُو الأَنْبِيَاءِ لأَلِيشَعَ: «ضَاَقَ بِنَا الْمَكَانُ الَّذِي نَحْنُ مَاكِثُونَ فِيهِ للاجْتِمَاعِ بِكَ.
2 - فَاسْمَحْ لَنَا أَنْ نَذْهَبَ إِلَى الأُرْدُنِّ فَيَقْطَعَ كُلٌّ مِنَّا بَعْضَ الأَخْشَابِ لِنَبْنِيَ مَكَاناً أَرْحَبَ نُقِيمُ فِيهِ». فَقَالَ: «اذْهَبُوا».
3 - وَقَالَ لَهُ أَحَدُهُمْ: «أَلاَ تَتَكَرَّمُ بِالذِّهَابِ مَعَ عَبِيدِكَ؟» فَقَبِلَ.
4 - وَمَضَى مَعَهُمْ. وَعِنْدَمَا وَصَلُوا إِلَى نَهْرِ الأُردُنِّ شَرَعُوا فِي قَطْعِ الْخَشَبِ.
5 - وَفِيمَا كَانَ أَحَدُهُمْ يَقْطَعُ خَشَبَةً سَقَطَ رَأْسُ فَأْسِهِ الْحَدِيدِيُّ فِي الْمَاءِ، فَاسْتَغَاثَ بِأَلِيشَعَ قَائِلاً: «آهِ يَاسَيِّدِي، إنِّي اسْتَعَرْتُهُ».
6 - فَسَأَلَهُ رَجُلُ اللهِ: «أَيْنَ سَقَطَ؟» فَأَشَارَ إِلَى الْمَوْضِعِ. فَقَطَعَ أَلِيشَعُ عُودَ حَطَبٍ أَلْقَاهُ فِي الْمَاءِ فَطَفَا رَأْسُ الْفَأْسِ، فَقَالَ: «الْتَقِطْهُ».
7 - فَمَدَّ الرَّجُلُ يَدَهُ وَالْتَقَطَهُ.
8 - وَحَارَبَ مَلِكُ أَرَامَ إِسْرَائِيلَ. وَبَعْدَ التَّدَاوُلِ مَعَ ضُبَّاطِهِ قَالَ: «سَأُعَسْكِرُ فِي مَوْضِعِ كَذَا (لأَتَرَبَّصَ بِمَلِكِ إِسْرَائِيلَ)».
9 - فَبَعَثَ رَجُلُ اللهِ إِلَى مَلِكِ إِسْرَائِيلَ قَائِلاً: «احْذَرْ الاجْتِيَازَ فِي مَوْضِعِ كَذَا، لأَنَّ الأَرَامِيِّينَ مُتَرَبِّصُونَ بِكَ فِيهِ».
10 - فَأَرْسَلَ مَلِكُ إِسْرَائِيلَ مُرَاقِبِيهِ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي أَخْبَرَهُ عَنْهُ رَجُلُ اللهِ وَحَذَّرَهُ مِنْهُ، فَتَأَكَّدَ مِنْ صِحَّةِ النَّبَأِ. وَتَكَرَّرَتْ تَحْذِيرَاتُ أَلِيشَعَ لِلْمَلِكِ مَرَّاتٍ عَدِيدَةً، فَكَانَ الْمَلِكُ يَتَحَفَّظُ دَائِماً لِنَفْسِهِ.
11 - فَانْزَعَجَ مَلِكُ أَرَامَ مِنْ هَذَا الأَمْرِ، وَجَمَعَ ضُبَّاطَهُ وَسَأَلَهُمْ: «أَلاَ تُخْبِرُونَنِي مَنْ مِنْكُمْ مُتَآمِرٌ مَعَ مَلِكِ إِسْرَائِيلَ؟»
12 - فَأَجَابَهُ وَاحِدٌ مِنْ ضُبَّاطِهِ: «لاَ يُوْجَدُ مَنْ يَتَآمَرُ عَلَيْكَ يَاسَيِّدِي الْمَلِكَ، وَلَكِنَّ النَّبِيَّ أَلِيشَعَ الْمُقِيمَ فِي إِسْرَائِيلَ يُبَلِّغُ مَلِكَ إِسْرَائِيلَ حَتَّى بِالأُمُورِ الَّتِي تَهْمِسُ بِهَا فِي مُخْدَعِ نَوْمِكَ».
13 - فَقَالَ: «اذْهَبُوا وَابْحَثُوا لِي عَنْ مَكَانِ إِقَامَتِهِ، فَأُرْسِلَ مَنْ يَعْتَقِلُهُ». فَقِيلَ لَهُ إِنَّهُ فِي دُوثَانَ.
14 - فَوَجَّهَ مَلِكُ أَرَامَ إِلَى هُنَاكَ جَيْشاً كَبِيراً مُجَهَّزاً بِخُيُولٍ وَمَرْكَبَاتٍ، وَحَاصَرَ الْمَدِينَةَ لَيْلاً.
15 - فَنَهَضَ خَادِمُ رَجُلِ اللهِ مُبَكِّراً وَخَرَجَ، وَإِذَا بِهِ يَجِدُ جَيْشاً مُجَهَّزاً بِخُيُولٍ وَمَرْكَبَاتٍ يُحَاصِرُ الْمَدِينَةَ. فَقَالَ الْخَادِمُ: «آهِ يَاسَيِّدِي، مَا الْعَمَلُ؟»
16 - فَأَجَابَهُ أَلِيشَعُ: «لاَ تَخَفْ لأَنَّ الَّذِينَ مَعَنَا أَكْثَرُ مِنَ الَّذِينَ مَعَهُمْ».
17 - وَتَضَرَّعَ أَلِيشَعُ قَائِلاً: «يَارَبُّ، افْتَحْ عَيْنَيْهِ فَيُبْصِرَ». فَفَتَحَ الرَّبُّ عَيْنَيِ الْخَادِمِ، وَإِذَا بِهِ يُشَاهِدُ الْجَبَلَ يَكْتَظُّ بِخَيْلٍ وَمَرْكَبَاتِ نَارٍ تُحِيطُ بِأَلِيشَعَ.
18 - وَعِنْدَمَا تَقَدَّمَ جَيْشُ أَرَامَ نَحْوَ أَلِيشَعَ صَلَّى إِلَى الرَّبِّ قَائِلاً: «أَصِبْ هَذَا الْجَيْشَ بِالْعَمَى». فَضَرَبَهُمُ الرَّبُّ بِالْعَمَى اسْتِجَابَةً لِدُعَاءِ أَلِيشَعَ.
19 - عِنْدَئِذٍ قَالَ لَهُمْ أَلِيشَعُ: «لَقَدْ ضَلَلْتُمْ طَرِيقَكُمْ فَأَخْطَأْتُمْ مُحَاصَرَةَ الْمَدِينَةِ الْمَطْلُوبَةِ. اتْبَعُونِي فَأُرْشِدَكُمْ إِلَى الرَّجُلِ الَّذِي تَبْحَثُونَ عَنْهُ». فَقَادَهُمْ إِلَى السَّامِرَةِ.
20 - فَلَمَّا أَصْبَحُوا دَاخِلَ السَّامِرَةِ صَلَّى أَلِيشَعُ قَائِلاً: «يَارَبُّ افْتَحْ عُيُونَهُمْ فَيُبْصِرُوا». فَفَتَحَ الرَّبُّ عُيُونَهُمْ، وَإِذَا بِهِمْ يَجِدُونَ أَنْفُسَهُمْ فِي وَسَطِ السَّامِرَةِ!
21 - وَعِنْدَمَا شَاهَدَهُمْ مَلِكُ إِسْرَائِيلَ سَأَلَ أَلِيشَعَ: «هَلْ أَقْتُلُهُمْ، هَلْ أَقْتُلُهُمْ يَاأَبِي؟»
22 - فَأَجَابَهُ: «لاَ تَقْتُلْ أَحَداً. إِنَّمَا اقْتُلِ الَّذِينَ تَسْبِيهِمْ بِسَيْفِكَ وَقَوْسِكَ. أَمَّا هَؤُلاءِ فَقَدِّمْ لَهُمْ طَعَاماً وَمَاءً فَيَأْكُلُوا وَيَشْرَبُوا ثُمَّ يَنْطَلِقُوا إِلَى سَيِّدِهِمْ».
23 - فَأَقَامَ لَهُمُ الْمَلِكُ مَأْدُبَةً عَظِيمَةً، فَأَكَلُوا وَشَرِبُوا، ثُمَّ أَطْلَقَهُمْ، فَرَجَعُوا إِلَى سَيِّدِهِمْ. وَتَوَقَّفَتْ جُيُوشُ أَرَامَ عَنْ غَزْوِ أَرْضِ إِسْرَائِيلَ فَتْرَةً.
24 - وَحَشَدَ بَنْهَدَدُ مَلِكُ أَرَامَ، بَعْدَ زَمَنٍ، كُلَّ جَيْشِهِ وَحَاصَرَ السَّامِرَةَ.
25 - وَإِذْ طَالَ الْحِصَارُ، عَمَّتِ الْمَجَاعَةُ السَّامِرَةَ حَتَّى صَارَ رَأْسُ الْحِمَارِ يُبَاعُ بِثَمَانِينَ قِطْعَةً مِنْ الْفِضَّةِ، وَأُوقِيَةُ زِبْلِ الْحَمَامِ بِخَمْسِ قِطَعٍ مِنَ الْفِضَّةِ.
26 - وَفِيمَا كَانَ مَلِكُ إِسْرَائِيلَ يَتَفَقَّدُ سُورَ الْمَدِينَةِ اسْتَغَاثَتْ بِهِ امْرَأَةٌ قَائِلَةً: «أَغِثْ يَاسَيِّدِي الْمَلِكَ».
27 - فَقَالَ لَهَا: «إِنْ لَمْ يُغِثْكِ الرَّبُّ، فَمِنْ أَيْنَ يُمْكِنُنِي أَنْ أَحْصُلَ لَكِ عَلَى الْغَوْثِ؟ أَمِنْ قَمْحِ الْبَيْدَرِ أَمْ مِنْ نَبِيذِ الْمِعْصَرَةِ؟»
28 - ثُمَّ سَأَلَهَا الْمَلِكُ: «مَالَكِ؟» فَأَجَابَتْ: «لَقَدْ قَالَتْ لِي هَذِهِ الْمرْأَةُ، هَاتِي ابْنَكِ فَنَأْكُلَهُ الْيَوْمَ، ثُمَّ نَأْكُلَ ابْنِي فِي الْيَوْمِ التَّالِي.
29 - فَسَلَقْنَا ابْنِي وَأَكَلْنَاهُ. وَعِنْدَمَا قُلْتُ لَهَا فِي الْيَوْمِ التَّالِي: هَاتِي ابْنَكِ لِنَأْكُلَهُ، خَبَّأَتِ ابْنَهَا».
30 - فَلَمَّا سَمِعَ الْمَلِكُ حَدِيثَ الْمَرْأَةِ مَزَّقَ ثِيَابَهُ وَهُوَ يَتَفَقَّدُ السُّورَ، فَرَأَى الْمُحِيطُونَ بِهِ أَنَّهُ كَانَ يَرْتَدِي مُسُوحاً فَوْقَ جَسَدِهِ.
31 - وَقَالَ: «لِيُعَاقِبْنِي الرَّبُّ أَشَدَّ عِقَابٍ وَيَزِدْ، إِنْ لَمْ أَقْطَعْ رَأْسَ أَلِيشَعَ بْنِ شَافَاطَ الْيَوْمَ».
32 - وَكَانَ أَلِيشَعُ آنَئِذٍ مُجْتَمِعاً فِي بَيْتِهِ مَعَ شُيُوخِ إِسْرَائِيلَ، فَوَجَّهَ الْمَلِكُ رَسُولاً إِلَيْهِ يَتَقَدَّمُهُ. وَقَبْلَ أَنْ يَصِلَ الرَّسُولُ قَالَ أَلِيشَعُ لِلشُّيُوخِ: «أَرَأَيْتُمْ كَيْفَ أَنَّ هَذَا الْقَاتِلَ قَدْ أَرْسَلَ رَسُولاً لِيَقْطَعَ رَأْسِي؟ فَحَالَمَا يَأْتِي الرَّسُولُ أَغْلِقُوا الْبَابَ وَاتْرُكُوهُ مُوْصَداً فِي وَجْهِهِ. فَإِنَّ وَقْعَ خَطَوَاتِ سَيِّدِهِ يَتَجَاوَبُ وَرَاءَهُ»
33 - وَبَيْنَمَا هُوَ يُخَاطِبُهُمْ أَقْبَلَ الرَّسُولُ إِلَيْهِ، وَتَبِعَهُ الْمَلِكُ الَّذِي قَالَ: «إِنَّ هَذَا الشَّرَّ قَدْ حَلَّ بِنَا مِنْ عِنْدِ الرَّبِّ، فَأَيَّ شَيْءٍ أَتَوَقَّعُ مِنَ الرَّبِّ بَعْدُ؟»

كتاب الحياة