الجامعة - استشهاد الإخوة السبعة

1 - وقُبِضَ أَيضاً على سَبعَةِ إِخَوةٍ مع أُمِّهم، فكانَ المَلِكُ يُريدُ أَن يُكرِهَهم على تَناوُلِ لَحم الخِنْزيرِ المُحَرَّم، فيُعَذِّبُهمِ بِالسِّياطِ وأَطْنابِ الثِّيران.
2 - وجَعَلَ أَحَدُهم نفسَه لِسانَ حالِهم فقال: (( ماذا تَبتَغي أَن تَسأَلَنا وأَن تَعرِفَ عَنَّا؟ إِنَّنا مُستَعِدونَ لِأَن نَموتَ ولا نُخالِفَ شَرائِعَ آبائِنا )).
3 - فحَنِقَ المَلِكُ وأمَرَ بِإِحْماءَ المَقالي والقُدور.
4 - ولَمَّا أُحمِيَت، أَمَرَ لِساعَتِه بِأَن يُقطَعَ لِسانُ الَّذي جَعَلَ نَفسَه لِسانَ حالِهم، وأَن يُسلَخَ جِلْدُ رأسِه وتُجدَعَ أَطْرافُه على عُيونِ إِخوَته وأُمِّه.
5 - ولَمَّا أصبحَ عاجِزاً تَماماً، أَمَرَ بِأَن يُدْنى مِنَ النَّار، وفيه رَمَقٌ مِنَ الحَياة، ويُقْلى. وفيما كانَ البُخارُ مُنتَشراً مِنَ المِقْلاة، كانَ الآخَرونَ هم وأُمُّهم يَحُثُّ بَعضُهم بَعضاً أَن يُقدِموا على المَوتِ بِشَجاعة، قائِلين:
6 - (( إِنَّ الرَّبَّ الإِلهَ ناظِر، وهو يَرأَفُ بِنا حَقّاً، كما صَرَّحَ موسى. فى النَّشيدِ الَّذي يَشهَدُ أَمامَ الجَميعِ بِقَوله: وبِعَبيدِه يَرأَف )).
7 - ولَمَّا فارَقَ الأَوَّلُ الحياةَ على هذا الوَجْه، ساقوا الثَّانِيَ إِلى التَّعْذيب، ونَزَعوا جِلدَ رَأسِه مع شَعَرِه، ثُمَّ سَأَلوه: (( هَل تَأَكُلُ لَحمَ الخِنْزيرِ قَبلَ أَن تُعاقَبَ في جَسَدِكَ عُضْواً عُضْواً؟ ))
8 - فأَجابَ بِلُغَةِ آبائِه وقال: لا، ولِذلك ذاقَ هو أَيضاً بَقِيَّةَ العَذابِ كالأَوَّل.
9 - وفيما كانَ على آخِرِ رَمَق قال: (( إنَّكَ أَيُّها المُجرِمُ تَسلُبُنا الحَياةَ الدُّنيا، ولَكِنَّ مَلِكَ العالَم، إِذا مُتْنا في سَبيلِ شَرائِعِه، سيُقيمُنا لِحَياةٍ أَبَدِيَّة )).
10 - وبَعدَه عَذَّبوا الثَّالِث، وأَمَروه فدَلَعَ لِسانَه لِساعَتِه وبَسَطَ يَدَيه بِقَلبٍ جَليد،
11 - وقالَ بِشَجاعة: (( إِنِّي مِنَ السَّماءَ أُوتيتُ هذه الأَعْضاء، وفي سَبيلِ شَرائِعِها أَستَهينُ بِها، ومِنها أَرْجو أَن أَستَرُدَّها )).
12 - فبُهِتَ المَلِكُ نَفسُه والَّذينَ معَه مِن بَسالَةِ ذلك الفَتى الَّذي لم يُبالِ بِالعَذابِ شَيئاً.
13 - ولَمَّا فارَقَ هذا الحَياة، عَذَّبوا الرَّابِعَ ونَكَّلوا بِه بِمِثْلِ ذلك.
14 - ولَمَّا أَشرَفَ على المَوتِ، قال: (( خَيرٌ أَن يَموتَ الإِنسانُ بِأَيدي النَّاس ويَرجُوَ أَن يُقيمَه الله، فلكَ أَنتَ لن تَكونَ قِيامَةٌ لِلحَياة )).
15 - ثُمَّ ساقوا الخامِسَ وعَذَّبوه.
16 - فحَدَّقَ إلى المَلِكِ وقال: (( إِنَّكَ بِما لَكَ مِنَ السُّلطانِ على البَشَر، مع أَنكَ قابِلُ الفَساد، تَفعَلُ ما تَشاء. ولكِن لا تَظُنَّ اللهَ قد خَذَلَ ذُرِّيَّتَنا.
17 - إِصبِرْ قَليلاً فتَرى قُدرَتَه العَظيمة، كيفَ يُعَذِّبُكَ أَنتَ ونَسلَكَ )).
18 - وبَعدَه ساقوا السَّادِس، فلَمَّا أَشرَفَ على المَوتِ قال: (( لا تَغتَرَّ بِالباطِل، فإِنَّنا نَحنُ جَلَبْنا على أَنفُسِنا هذا العَذاب، لِأَنَّنا خَطِئْنا إِلى إِلهِنا، ولذلك جَرى لَنا ما يَقْضي بِالعَجَب.
19 - وأَما أَنتَ فلا تَحسَبْ أَنَّكَ تَبْقى بلا عِقاب، بَعدَ أَن أَقدَمتَ على مُحارَبَةِ الله )).
20 - وكانَت أُمُّهم أَجدَرَهم جَميعاً بالإِعْجابِ والذِّكْرِ الحَميد، فإِنَّها عايَنَت بَنيها السَّبعَةَ يَهلِكونَ في مُدَّةِ يَومٍ واحِد، وصَبَرَت على ذلك بِشَجاعة، بسَبَبِ رَجائِها للرَّبّ.
21 - وكانَت تُحَرِّضُ كُلاًَّ مِهم بِلُغَةِ آبائِها، وهي مُمتَلِئةٌ مِن المَشاعِرِ الشَّريفَة، وقد أَضفَت على كَلامِها الأَنثَوِيِّ بَسالَةً رجوليَّة، فكانَت تَقولُ لَهم:
22 - (( لَستُ أَعلَمُ كَيفَ نَشأتُم في أَحْشائي، ولا أَنا وَهَبتُكمُ الرُّوحَ والحَياة، ولا أَنا نَظَّمتُ عَناصِرَ كُلٍّ مِنكم.
23 - ولِذلك فإِنَّ خالِقَ العالَم، الَّذي جَبَلَ الجِنسَ البَشَرِي والَّذي هو أصلُ كُلِّ شَيَء، سيُعيدُ إلَيْكم بِرَحمَتِه الرُّوحَ والحَياة، لِأَنَّكم تَستَهينونَ الآن بِأَنفُسِكم في سَبيلِ شَرائِعِه )).
24 - وظنَّ أَنْطِيوخُسُ أَنَّه يُسخَرُ بِه ورأَى في هذا الكَلامِ إهانَة، فاخذَ يُحَرِّضُ بالكَلامِ أَصغَرَهمُ الباقي، بل أَكَّدَ لَه بِالقَسَمِ أَنَّه يُغْنيه ويُسعِدُه، إِذا تَرَكَ سُنَنَ آبائِه، ويَتَّخِذُه صَديقاً لَه ويُقَلِّدُه المَناصِب.
25 - إِلَّا أَن الفَتى لم بُصغ لِذلك البَتَّة، فدَعا المَلِكُ أُمَّه وحَثَّها أَن تُشيرَ على الفَتى بِما يَؤُولُ إلى خَلاصِه.
26 - وأَلَحَّ علَيها كَثيراً حَتَّى قَبِلَت بِإِقناعِ آبنِها.
27 - فآنحَنت علَيه وآستَهزَأَت بِالطَّاغِيَةِ العَنيف، وقالَت بِلُغَةِ آبائها: (( يا بُنَيَّ آرحَمْني أَنا الَّتي حَمَلَتكَ في أحْشائِها تِسعَةَ أَشهُرٍ، وأَرضَعَتكَ ثَلاثَ سَنَوات، وعالَتكَ وبَلّغَتكَ إِلى هذه السَنّ ورَبَّتكَ.
28 - أَسأَلُكَ يا وَلَدي أَنَ آنظُرْ إِلى السَّماءِ والأَرض، وإِذا رأَيتَ كُلَّ ما فيهِما، فآعلَمْ أَنَّ اللهَ صَنَعَهما مِنَ العَدَم، وأَنَّ جِنْسَ البَشَرِ هو كذلك.
29 - فلا تَخَفْ مِن هذا الجَلاَّد، بل كُنْ جَديراً بِإِخوَتِكَ وآقبَلِ المَوتَ لِأَلْقاكَ مع إِخوَتِكَ بِالرَّحمَة )).
30 - وما إِنِ آنتَهَت مِن كَلامِها حَتَّى قالَ الفَتى: (( ماذا أَنتُم مُنتَظِرون؟ إِنِّي لا أُطيعُ أَمرَ المَلِك، وإنَّما أُطيعُ أمرَ الشَّريعَةِ الَّتي أُلقِيَت إلى آبائِنا عن يَدِ موسى.
31 - وأَنتَ أَيُّها المُختَرعُ كُلَّ شَرٍّ على العِبرانِيِّين، إِنَّكَ لَن تَنجُوَ مِن يَدَيِ الله.
32 - فنَحنُ إنَّما نَتَأَلَّمُ مِن أَجلِ خَطايانا.
33 - وإِن سَخِطَ علَينا رَبُّنا الحَيُّ حيناً قَليلاً لِمُعاقَبَتِنا وَتأديبِنا، فسيُصالِح عَبيدَه مِن بَعدُ.
34 - وأَمَّا أَنتَ أَيُّها الكافِر، يا أَقذَرَ كُلُّ بَشَر، فلا تَتَشامَخْ باطِلاً ولا تُعلِّلِ النَّفسَ بِالآمالِ الكاذِبَة وتَرفَعْ يَدَكَ على عَبيدِه،
35 - لِأَنَّكَ لم تَنجُ إِلى اليومِ مِن قَضاءِ اللهِ القَديرِ الرَّقيب.
36 - ولَقَد صَبَرَ إِخوَتُنا على أَلَمِ ساعةٍ، سَعْياً لِحَياةٍ لا تَزول، وسَقَطوا في سَبيلِ عَهدِ الله. وأَمَّا أَنتَ فسيَحِلُّ بكَ، بِقَضاءِ الله، العِقابُ الَّذي تَستَوجِبُه بَكِبرياءِكَ.
37 - وأَنا كإِخوَتي أَبذُلُ جَسَدي ونَفْسي في سَبيلِ شَرائِعِ آبائِنا، وأَبتَهِلُ إِلى اللهِ أَن لا يُبطِئَ في تَوفيقِ أُمَّتِنا وأَن يَحمِلَكَ، بالمِحَنِ والضَّرَبات، على الِآعتِرافِ بِأَنَّه هو الإلهُ وَحدَه.
38 - عَسى أَن يَحِلَّ علَيَّ وعلى إِخوَتي غَضَبُ القَديرِ الَّذي ثارَ على أُمَّتِنا بِالعَدْل! ))
39 - فحَنِقَ المَلِكُ لِمَرار الِآستِهْزاء فزادَه تَعْذيباً على إِخوَتِه.
40 - وهكذا فارَقَ الفَتى الحَياةَ غَيرَ مُدَنَّس، وقد وَكَلَ إِلى الرَّبِّ كُلَّ أَمرِه. وفي آخِرِ الأَمرِ ماتَتِ الأُمُّ بَعدَ بَنيها.
41 - وكفى ما رَوَيناه عن المَآدِبِ الطَّقسِيَّةِ والتَّعْذيباتِ المُبَرِّحَة.

الكاثوليكية - دار المشرق