البشارة كما دوّنها متى - مثل الزارع

1 - وخرَجَ يَسوعُ مِنَ الدّارِ في ذلِكَ اليومِ وجلَسَ بجانبِ البحرِ.
2 - فاَزدحَمَ علَيهِ جَمْعٌ كبـيرٌ، حتّى إنَّهُ صَعِدَ إلى قارِبٍ وجلَسَ فيهِ، والجَمعُ كُلُّهُ على الشَّاطئِ،
3 - فكلَّمَهُم بأمثالٍ على أُمورٍ كثيرةٍ قالَ: ((خرَجَ الزّارِعُ ليزرَعَ.
4 - وبَينَما هوَ يَزرَعُ، وقَعَ بَعضُ الحَبِّ على جانِبِ الطَّريقِ، فجاءَتِ الطُّيورُ وأكَلَتْهُ.
5 - ووقَعَ بَعضُهُ على أرضٍ صَخْريَّةٍ قليلةِ التُّرابِ، فنَبَتَ في الحالِ لأنَّ تُرابَهُ كانَ بِلا عُمقٍ.
6 - فلمَّا أشرَقَتِ الشَّمسُ اَحتَرَقَ وكانَ بِلا جُذورٍ فيَبِسَ.
7 - ووقَعَ بعضُهُ على الشُّوكِ، فطَلَعَ الشُّوكُ وخَنقَهُ.
8 - ومِنهُ ما وقَعَ على أرضٍ طيِّبةٍ، فأعطى بَعضُهُ مِئةً، وبَعضُهُ سِتِّينَ، وبَعضُهُ ثلاثينَ.
9 - مَنْ كانَ لَه أُذنانِ، فلْيَسمَعْ! ))
10 - فدَنا مِنهُ تلاميذُهُ وقالوا لَه: ((لِماذا تُخاطِبُهُم بالأمثالِ؟))
11 - فأجابَهُم: ((أنتُمُ أُعطيتُم أنْ تعرِفوا أسرارَ مَلكوتِ السَّماواتِ، وأمَّا هُم فما أُعطُوا.
12 - لأنَّ مَنْ كانَ لَه شيءٌ، يُزادُ فيَفيضُ. ومَنْ لا شيءَ لَه، يُؤخَذُ مِنهُ حتّى الّذي لَه.
13 - وأنا أُخاطِبُهُم بالأمثالِ لأنَّهُم يَنظُرونَ فلا يُبصِرونَ، ويُصغونَ فلا يَسمَعونَ ولا يَفهَمونَ.
14 - ففيهِم تَتِمُّ نُبوءةُ إشَعْيا: ((مَهما سَمِعتُم لا تَفهَمونَ،ومَهما نَظَرْتُم لا تُبصِرونَ.
15 - لأنَّ هذا الشَّعبَ تحَجَّرَ قلبُهُ،فسَدُّوا آذانَهُم وأغْمَضوا عُيونَهُم، لِـئلاَّ يُبصِروا بِعُيونِهِم ويَسمَعوا بآذانِهِم ويَفهَموا بِقُلوبِهِم ويَتوبوا فأَشفيَهُم)).
16 - وأمّا أنتُمْ فهَنيئًا لكُم لأنَّ عيونَكُم تُبصِرُ وآذانَكُم تَسمَعُ.
17 - الحقَّ أقولُ لكُم: كثيرٌ مِنَ الأنبـياءِ والأبرارِ تَمنَّوا أنْ يَرَوْا ما أنتمُ تَرَونَ فَما رأوا، وأنْ يَسمَعوا ما أنتُم تَسمَعونَ فما سَمِعوا.
18 - ((فاَسمَعوا أنتُم مَغْزى مَثَلِ الزّارعِ:
19 - مَنْ يَسمَعُ كلامَ المَلكوتِ ولا يَفهَمُهُ، فهوَ المَزروعُ في جانبِ الطَّريقِ، فيجيءُ الشِّرِّيرُ ويَنتَزِعُ ما هوَ مَزروعٌ في قلبِهِ.
20 - ومَنْ يَسمَعُ كلامَ المَلكوتِ ويتَقَبَّلُهُ في الحالِ فَرِحًا، فهوَ المَزروعُ في أرضٍ صخريَّةٍ:
21 - لا جُذورَ لَه في نَفسِهِ، فيكونُ إلى حينٍ. فإذا حدَثَ ضِيقٌ أوِ اَضطهادٌ مِنْ أجلِ كلامِ المَلكوتِ، اَرتدَّ عَنهُ في الحالِ.
22 - ومَنْ يَسمَعُ كلامَ المَلكوتِ ولا يُعطي ثَمرًا فهوَ المَزروعُ في الشَّوكِ: لَه مِنْ هُمومِ هذِهِ الدُّنيا ومَحبَّةِ الغِنى ما يَخنُقُ الثّمرَ فيهِ.
23 - وأمّا مَنْ يَسمعُ كلامَ المَلكوتِ ويفهَمُهُ، فهوَ المَزروعُ في الأرضِ الطَّيِّبةِ، فيُثمِرُ ويُعطي بَعضُهُ مِئةً، وبعضُهُ سِتِّينَ، وبعضُهُ ثلاثينَ)).
24 - وقَدَّمَ لهُم يَسوعُ مَثلاً آخرَ، قالَ: ((يُشبِهُ مَلكوتُ السَّماواتِ رَجُلاً زرَعَ زَرْعًا جيِّدًا في حقلِهِ.
25 - وبَينَما النَّاسُ نِـيامٌ، جاءَ عَدوُّهُ وزَرعَ بَينَ القَمحِ زؤانًا ومضى.
26 - فلمّا طلَعَ النَّباتُ وأخرَجَ سُنبلَه، ظهَرَ الزُّؤانُ معَهُ.
27 - فجاءَ خدَمُ صاحِبِ الحَقلِ وقالوا لَه: ((يا سيِّدُ أنتَ زَرَعْتَ زَرعًا جيِّدًا في حَقلِكَ، فمِنْ أينَ جاءَهُ الزُّؤانُ؟))
28 - فأجابَهُم: ((عَدوٌّ فعَلَ هذا)). فقالوا لَه: ((أتُريدُ أنْ نَذهَبَ لِنَجمَعَ الزُّؤانَ؟))
29 - فأجابَ: ((لا، لِـئلاَّ تَقلَعوا القَمحَ وأنتُم تَجمعونَ الزُّؤانَ.
30 - فاَترُكوا القَمحَ يَنمو معَ الزُّؤانِ إلى يومِ الحَصادِ، فأقولُ للحَصَّادينَ: اَجمَعوا الزُّؤانَ أوّلاً واَحزِموهُ حِزَمًا لِـيُحرَق، وأمّا القمحُ فاَجمعوهُ إلى مَخزَني)).
31 - وقدَّمَ لهُم مَثلاً آخرَ، قالَ: ((يُشبِهُ مَلكوتُ السَّماواتِ حبَّةً مِن خَردلٍ أخذَها رَجُلٌ وزَرَعَها في حَقلِهِ.
32 - هيَ أصغرُ الحبوبِ كُلِّها، ولكِنَّها إذا نَمَتْ كانَت أكبَرَ البُقولِ، بل صارَتْ شجَرَةً، حتّى إنَّ طُيورَ السَّماءِ تَجيءُ وتُعشِّشُ في أغصانِها)).
33 - وقالَ لهُم هذا المَثَلَ: ((يُشبِهُ مَلكوتُ السَّماواتِ خَميرةً أخذَتْها اَمرأةٌ ووَضَعَتْها في ثلاثةِ أكيالٍ مِنَ الدَّقيقِ حتّى اَختَمرَ العَجينُ كُلُّهُ)).
34 - هذا كلُّهُ قالَه يَسوعُ للجُموعِ بالأمثالِ. وكانَ لا يُخاطِبُهُم إلاَّ بأمثالٍ.
35 - فتَمَّ ما قالَ النَّبـيُّ: ((بالأمثالِ أنطِقُ، فأُعلِنُ ما كانَ خفيًّا مُنذُ إنشاءِ العالَمِ)).
36 - وترَكَ يَسوعُ الجُموعَ ودخَلَ إلى البَيتِ، فجاءَ إليهِ تلاميذُهُ وقالوا لَه: ((فَسَّرْ لنا مثَلَ زُؤانِ الحَقلِ)).
37 - فأجابَهُم: ((الّذي زَرعَ زَرْعًا جيِّدًا هوَ اَبنُ الإنسانِ،
38 - والحَقلُ هوَ العالَمُ، والزَّرعُ الجيَّدُ هوَ أبناءُ المَلكوتِ، والزؤانُ هوَ أبناءُ الشَّرّيرِ،
39 - والعُدوُّ الّذي زرَعَ الزُّؤانَ هوَ إبليسُ، والحَصادُ هوَ نِهايةُ العالَمِ، والحصَّادونَ هُم الملائِكةُ.
40 - وكما يجمَعُ الزّارعُ الزُّؤانَ ويَحرِقُهُ في النَّارِ، فكذلِكَ يكونُ في نِهايَةِ العالَمِ:
41 - يُرسِلُ اَبنُ الإنسانِ ملائِكتَهُ، فيَجْمعونَ مِنْ مَلكوتِهِ كُلَّ المُفسِدينَ والأشرارِ
42 - ويَرمونَهُم في أتونِ النّارِ، فهُناكَ البُكاءُ وصَريفُ الأسنانِ.
43 - وأمّا الأبرارُ، فيُشرِقونَ كالشَّمسِ في مَلكوتِ أبـيهِم. مَنْ كانَ لَه أُذُنانِ، فلْيَسمَعْ!
44 - ((ويُشبِهُ مَلكوتُ السَّماواتِ كَنزًا مدفونًا في حَقلٍ، وجَدَهُ رجُلٌ فَخبّأهُ، ومِنْ فرَحِهِ مَضى فباعَ كُلَّ ما يَملِكُ واَشتَرى ذلِكَ الحَقلَ.
45 - ويُشبِهُ مَلكوتُ السَّماواتِ تاجِرًا كانَ يبحَثُ عَنْ لُؤلُؤٍ. ثَمينٍ.
46 - فلمّا وجَدَ لُؤلُؤةً ثَمينَةً، مضى وباعَ كُلَّ ما يَملِكُ واَشتَراها.
47 - ويُشبِهُ مَلكوتُ السَّماواتِ شبكَةً ألقاها الصَيّادونَ في البحرِ، فجَمَعتْ سَمكًا مِنْ كُلٌ نوعِ.
48 - فلمّا اَمتَلأتْ أخرَجَها الصَّيَّادونَ إلى الشّاطئِ، فوَضَعوا السَّمكَ الجيِّدَ في سِلالِهِم ورَمَوا الرّديءَ.
49 - وهكذا يكونُ في نِهايَةِ العالَمِ: يَجيءُ الملائِكةُ، ويَنتَقونَ الأشرارَ مِنْ بَينِ الصّالِحينَ
50 - ويَرمونَهُم في أتُّونِ النَّارِ. فهُناكَ البُكاءُ وصَريفُ الأسنانِ)).
51 - وسألَ يَسوعُ تلاميذَهُ: ((أفَهِمتُم هذا كُلَّهُ؟)) فأجابوهُ: ((نعم)).
52 - فقالَ لهُم: ((إذًا، كُلُّ مَنْ صارَ مِنْ مُعَلَّمي الشَّريعةِ تلميذًا في مَلكوتِ السَّماواتِ، يُشبِهُ ربَّ بَيتٍ يُخرِجُ مِنْ كنزِهِ كُلَّ جديدٍ وقَديمٍ)).
53 - ولمّا أتَمَّ يَسوعُ هذِهِ الأمثالَ، ذهَبَ مِنْ هُناكَ
54 - وعادَ إلى بلَدِهِ، وأخَذَ يُعلِّمُ في مَجمَعِهِم، فتَعَجَّبوا وتَساءَلوا: ((مِنْ أينَ لَه هذِهِ الحِكمةُ وتِلْكَ المُعْجزاتُ؟
55 - أمَا هوَ اَبنُ النَّجّارِ؟ أُمٌُّهُ تُدعى مَريمَ، وإِخوتُهُ يَعقوبَ ويوسفَ وسِمْعانَ ويَهوذا؟
56 - أما جميعُ أخَواتِهِ عِندَنا؟ فمِنْ أينَ لَه كُلُّ هذا؟))
57 - ورَفَضوهُ. فقالَ لهُم يَسوعُ: ((لا نبـيَّ بِلا كرامةٍ إلاّ في وَطَنِهِ وبَيتِهِ)).
58 - وما صنَعَ هُناكَ كثيرًا مِنَ المُعجِزاتِ لِعَدَمِ إيمانِهِم بهِ.

المشتركة - دار الكتاب المقدس