رسالة غلاطية - مثل الزارع

1 - فقالَ لَهم: ((أَنتُم أُعطيتُم سِرَّ مَلكوتِ الله. وأَمَّا سائرُ النَّاس فكُلُّ شَيءٍ يُلقى إِلَيهِم بِالأَمثال
2 - فيَنظُرونَ نَظَراً ولا يُبصِرون ويَسمَعونَ سَماعاً ولا يَفهَمون لِئَلاَّ يَرجِعوا فَيُغفَرَ لَهم)).
3 - وقالَ لَهم((أَما تَفهَمونَ هذا المَثَل ؟ فكَيفَ تَفهَمونَ سائرَ الأَمثال ؟
4 - الزَّارِعُ يَزرَعُ كلِمَةَ الله.
5 - فمَن كانوا بِجانِبِ الطَّريق حَيثُ زُرِعَتِ الكَلِمة، فهُمُ الَّذينَ يَسمَعونَها فيأتي الشَّيطانُ لِوَقتِه ويَذهَبُ بِالكَلِمَةِ المَزروعةِ فيهِم.
6 - وهؤُلاءِ هُم الَّذينَ زُرِعوا في الأَرضِ الحَجِرَة، فإِذا سَمِعوا الكَلِمَةَ قِبِلوها مِن وَقتِهم فَرِحين،
7 - ولكِن لا أَصلَ لَهم في أَنفُسِهِم، فلا يثبُتونَ على حالة. فإِذا حَدَثَت بَعدَ ذلك شِدَّةٌ أَوِ اضطِهادٌ مِن أَجْلِ الكَلِمة، عَثَروا لِوَقتِهم.
8 - وبَعضُهمُ الآخَرُ زُرِعوا في الشَّوك، فهؤُلاءِ همُ الَّذينَ يَسمَعونَ الكَلِمة،
9 - ولكِنَّ هُمومَ الحَياةِ الدُّنْيا وفِتنَةَ الغِنى وسائرَ الشَّهَواتِ تُداخِلُهم فَتَخنُقُ الكَلِمة، فلا تُخرِجُ ثَمَراً.
10 - وهؤُلاءِ همُ الَّذينَ زُرِعوا في الأَرضِ الطَّيِّبَة، فهُمُ الَّذينَ يَسمَعونَ الكَلِمةَ ويتَقَبَّلونَها فيُثمِرونَ الواحِدُ ثَلاثينَ ضِعفاً والآخَرُ سِتِّين وغَيرُه مِائةَ)).
11 - وقالَ لَهم: ((أَيأتي السِّراجُ لِيُوضَعَ تَحتَ المِكيالِ أَو تَحتَ السَّرير ؟ أَلا يأتي لِيُوضَعَ على المَنارة ؟
12 - فما مِن خَفِيٍّ إِلاَّ سَيُظهَر، ولا مِن مَكتومٍ إِلاَّ سَيُعلَن.
13 - مَن كانَ له أُذُنانِ تَسْمَعان فَلْيَسْمَعْ !)).
14 - وقالَ لَهم: ((اِنتَبِهوا لِما تَسمَعون ! فبِما تَكيلونَ يُكالُ لَكم وتُزادون.
15 - لأَنَّ مَن كانَ لهُ شَيء، يُعطَى. ومَن لَيسَ له شَيء، يُنتَزَعُ مِنهُ حتَّى الَّذي له)).
16 - وقال((مَثَلُ مَلَكوتِ اللهِ كَمَثَلِ رَجُلٍ يُلْقي البَذْرَ في الأَرض.
17 - فسَواءٌ نامَ أو قامَ لَيلَ نَهار، فالبَذْرُ يَنبُتُ ويَنمي، وهو لا يَدري كيفَ يَكونُ ذلك.
18 - فَالأَرضُ مِن نَفسِها تُخرِجُ العُشبَ أَوَّلاً، ثُمَّ السُّنُبل، ثُمَّ القَمحَ الَّذي يَملأُ السُّنبُل.
19 - فما إِن يُدرِكُ الثَّمَرُ حتَّى يُعمَلَ فيه المِنجَل، لِأَنَّ الحَصادَ قد حان)).
20 - وقال: ((بِماذا نُشَبِّهُ مَلَكوتَ الله، أَو بِأَيِّ مَثَلٍ نُمَثِّلُه؟
21 - إِنَّه مِثلُ حَبَّةِ خَردَل: فهِيَ، حينَ تُزرَعُ في الأَرض، أَصغَرُ سائرِ البُزورِ الَّتي في الأَرض.
22 - فإِذا زُرِعَت، اِرتَفَعَت وصارَت أَكبَرَ البُقولِ كُلِّها، وأَرسَلَت أَغْصاناً كَبيرة، حتَّى إِنَّ طُيورَ السَّماءِ تَستَطيعُ أَن تُعَشِّشَ في ظِلِّها)).
23 - وكانَ يُكَلِّمُهُم بِأَمْثالٍ كَثيرةٍ كهذِه، لِيُلْقِيَ إِلَيهم كلِمةَ الله، على قَدرِ ما كانوا يَستَطيعونَ أَن يَسمَعوها.
24 - ولَم يُكَلِّمْهُم مِن دُونِ مَثَل، فَإِذا انفَرَدَ بِتَلاميذِه فَسَّرَ لَهم كُلَّ شَيء.
25 - وقالَ لَهم في ذلكَ اليومِ نفسِه عندَ المساء((لِنَعبُرْ إِلى الشَّاطِئِ المُقابِل)).
26 - فتَركوا الجَمعَ وساروا به وهُو في السَّفينة، وكانَ معَهُ سُفُنٌ أُخرى.
27 - فعَصَفَتْ رِيحٌ شَديدة وأَخَذَتِ الأَمواجُ تَندَفِعُ على السَّفينة حتَّى كادَت تَمتَلِئ.
28 - وكانَ هُو في مُؤخَّرِها نائماً على الوِسادَة، فأَيقَظوه وقالوا له: ((يا مُعَلِّم، أَما تُبالي أَنَّنا نَهلِك ؟))
29 - فاَستَيقَظَ وزَجَرَ الرِّيحَ وقالَ لِلبَحْر: ((اُسْكُتْ ! اِخَرسْ!)) فسكنَتِ الرِّيحُ وحدَثَ هُدوءٌ تَامّ
30 - ثُمَّ قالَ لَهم ((ما لَكم خائفينَ هذا الخَوف ؟ أَإِلى الآنَ لا إِيمانَ لَكم ؟))
31 - فخافوا خَوفاً شَديداً وقالَ بَعضُهُم لِبَعْض: ((مَن تُرى هذا حتَّى تُطيعَه الرِّيحُ والبحر ؟)).
32 - وعادَ إِلى التَّعليمِ بِجانِبِ البَحْر، فازدَحَمَ علَيه جَمعٌ كثيرٌ جِدّاً، حَتَّى إِنَّه رَكِبَ سَفينَةً في البَحرِ وجَلَسَ فيها، والجَمعُ كُلُّه قائِمٌ في البَرِّ على ساحِلِ البَحْر.
33 - فعَلَّمَهم بِالأَمثالِ أَشْياءَ كثيرة. وقالَ لَهم في تَعليمِه:
34 - ((إِسمَعوا ! هُوَذا الزَّارعُ خَرَجَ لِيَزرَع.
35 - وبَينما هو يَزرَع، وَقَعَ بَعضُ الحَبِّ على جانِبِ الطَّريق، فجاءَتِ الطُّيورُ فأَكَلَتْه.
36 - ووَقَعَ بَعضُه الآخَرُ على أَرضٍ حَجِرَةٍ لم يَكُنْ فيها تُرابٌ كثير، فنَبَتَ مِن وَقتِهِ لأَنَّ تُرابَهُ لم يَكُنْ عَميقاً.
37 - فلَمَّا أَشرَقَتِ الشَّمسُ احتَرَقَ، ولم يَكُنْ له أَصْلٌ فَيِبس.
38 - ووَقَعَ بَعضُه الآخَر في الشَّوك، فارتَفَعَ الشَّوكُ وخَنَقَهُ فلَم يُثمِرْ.
39 - ووَقَعَتِ الحَبَّاتُ الأُخْرى على الأَرضِ الطَّيِّبَة، فارتَفَعَت ونَمَت وأَثمَرَت، بَعضُها ثلاثين، وبَعضُها سِتِّين، وبَعضُها مِائة)).
40 - وقال: ((مَن كانَ له أُذُنانِ تَسْمعان فَلْيَسمَعْ !)).
41 - فلَمَّا اعتَزَلَ الجَمْع، سأَلَه الَّذينَ حَولَه معَ الاثْنَي عَشَرَ عنِ الأَمثال.

الكاثوليكية - دار المشرق