صموئيل الأول - العهد بين داود ويوناثان

1 - فهربَ داوُدُ مِنْ نايوتَ في الرَّامةِ، وجاءَ إلى يوناثانَ وقالَ لَه: ((ماذا فعلتُ؟ وما هوَ ذنبي؟ وبمَ أسأتُ إلى أبيكَ حتى يطلبَ حياتي؟))
2 - فأجابَهُ يوناثانُ: ((كلاَ، لن تموتَ. فأبي لا يفعَلُ أمرًا كبيرًا ولا صغيرًا مِنْ غيرِ أنْ يُكاشفَني بهِ، فكيفَ يَخفي عليَ هذا الأمرَ؟ هذا مستحيلٌ)).
3 - فقالَ داوُدُ: ((أبوكَ يعلَمُ أنِّي أنعَمُ بِرضاكَ عليَ، ويُفضِّلُ أنْ لا تعلَمَ بِما عزَمَ علَيهِ لِئلاَ تحزنَ. وحياةِ الرّبِّ وحياتِكَ أنتَ، ما كانَ بَيني وبَينَ الموتِ إلاَ خطوةٌ)).
4 - فقالَ لَه يوناثانُ: ((ما تُريدُني أنْ أفعَلَ؟))
5 - فأجابَهُ داوُدُ: ((غَدًا أوَّلُ الشَّهرِ، وهوَ يومُ جلوسي معَ أبيكَ المَلِكِ للطَّعامِ، فاَصرِفْني لأختبئَ في البَرِّيَّةِ إلى مساءِ اليومِ الثَّالثِ.
6 - فإنْ سألَ أبوكَ عنِّي، فقُلْ لَه: ((استأذَنَني في الذَّهابِ إلى بيتَ لَحمَ مدينتِهِ، لأنَّ أهلَهُ كُلَّهُم يُقدِّمونَ هُناكَ كُلَ سنَةٍ ذبيحةً للرّبِّ.
7 - فإنْ قالَ: حسَنٌ، كانَ عليَ الأمانُ، وإنْ غضِبَ فاَعلمْ أنَّهُ عازمٌ على الشَّرِّ.
8 - فاَعملْ معي، يا سيِّدي، هذا المعروفَ لأنَّكَ عاهدتَني عَهدَ الأخوَّةِ باَسمِ الرّبِّ، وإنْ كُنتُ أسأتُ في شيءٍ، فاَقتُلْني أنتَ ولا تُسلِّمْني إلى يَدِ أبيكَ)).
9 - فقالَ لَه يوناثانُ: ((ما علَيكَ شرًّ. إذا عَلِمتُ أنَّ أبي يَنوي لكَ سُوءًا، فكيفَ لا أخبرُكَ؟))
10 - فقالَ داوُدُ: ((مَنْ يُخبِرُني إذا كانَ جوابُ أبيكَ قاسيًا؟))
11 - فقالَ يوناثانُ: ((تعالَ نخرُج إلى البَرِّيَّةِ)). فخرَجا.
12 - وقالَ يوناثانُ لداوُدَ: ((يَشهدُ الرّبُّ إلهُ إِسرائيلَ أنِّي أستوضِحُ أبي هذا الأمرَ، في مِثلِ هذِهِ السَّاعةِ، غَدًا أو بَعدَ غَدٍ، فإنْ كانَ خيرٌ أُخبرُكَ
13 - وإنْ كانَ يَنوي لكَ سُوءًا، فويلٌ لي مِنَ الرّبِّ إذا لم أُخبِرْكَ وأصرِفْكَ فتَمضيَ بأمانٍ. وليكُنِ الرّبُّ معَكَ كما كانَ معَ أبي.
14 - وإنْ صِرتَ ملكًا وأنا حيًّ فكُنْ أمينًا لِعَهدِكَ لي باَسمِ الرّبِّ، وإنْ مُتُّ
15 - فلا تقطَعْ علاقَتَكَ الطيِّبةَ بأهلِ بَيتي أبدًا، حتى لو أهلَكَ الرّبُّ كُلَ واحدٍ مِنْ أعدائِكَ عَنْ وجهِ الأرضِ.
16 - وليَنتَقِمِ الرّبُّ مِنْ بَيتِ داوُدَ إذا قضيتَ على اسمِ يوناثانَ مِنْ بَيتِ شاوُلَ)).
17 - وأعادَ يوناثانُ على داوُدَ يَمينَ حُبِّهِ لَه، لأنَّهُ أحبَّه كحُبِّهِ لِنفْسِهِ.
18 - ثُمَ قالَ يوناثانُ لِداوُدَ: ((غَدًا أوَّلُ الشَّهرِ، سيظهَرُ غيابُكَ فيهِ لأنَّ مقعَدَكَ يكونُ خاليًا.
19 - وبَعدَ غَدٍ يَزدادُ غيابُكَ ظُهورًا فاَذهَبْ إلى المَوضِعِ الذي اَختَبَأتَ فيهِ سابِقًا، واَنتَظِرْ عِندَ كومةِ الحجارَةِ هُناكَ.
20 - وأنا أرمي بِثلاثَةِ أسهُمِ إلى جانِبِها كأنِّي أرمي هدَفًا.
21 - ثُمَ أُرسِلُ خادمي قائلاً: إذهَبْ واَلتَقِط الأسهُمَ. فإنْ قُلتُ لَه: ((ها الأسهُمُ إلى جانِبِكَ فَخذْها)) تَجيءُ أنتَ إليَ لأنَّ علَيكَ الأمانُ وما مِنْ خطَرٍ، حَيًّ هوَ الرّبُّ.
22 - وإنْ قُلتُ للخادِمِ: ((ها الأسهُمُ أمامَكَ)) تَنصرفُ، لأنَّ الرّبَّ هكذا يُريدُ.
23 - وأمَّا العَهدُ الذي قطَعناهُ، فالرّبُّ شاهدٌ علَيهِ بَيني وبَينَكَ إلى الأبدِ)).
24 - فاَختبَأ داوُدُ في الحقلِ. فلمَّا كانَ أوَّلُ الشَّهرِ جلَسَ المَلِكُ لِلطَّعامِ
25 - على كُرسيِّهِ عِندَ الحائطِ كالمُعتادِ، وجلَسَ يوناثانُ قُبالَتهُ وأبنيرُ إلى جانبِ شاوُلَ، وكانَ مقعَدُ داوُدَ خاليًا.
26 - ولم يقُلْ شاوُلُ في ذلِكَ اليومِ شيئًا، لأنَّهُ قالَ في نفْسِهِ: ((رُبَّما أصابَهُ عارضٌ، أو لَعلَّهُ في حالٍ غيرِ طاهرةٍ بِحسَبِ الشَّريعةِ)).
27 - فلمَّا كانَ اليومُ الثَّاني مِنَ الشَّهرِ خلا مقعَدُ داوُدَ أيضًا، فقالَ شاوُلُ ليوناثانَ اَبنِهِ: ((لِماذا تغيَّبَ داوُدُ اَبنُ يَسَّى البارِحةَ واليومَ عَنِ الطَّعامِ؟))
28 - فأجابَهُ يوناثانُ: ((استأذَنَني إلى بَيتَ لَحمَ
29 - وقالَ: ((دَعني أنصَرِفُ إلى أهلي لأنَّهُم يُقَدِّمونَ ذبيحةً في المدينةِ، وإخوتي أمروني بأنْ أكونَ هُناكَ. والآنَ إذا كُنتُ أحظى بِرِضاكَ دَعني أذهَبُ وأراهُم. لِذلِكَ لم يحضَرْ مائِدةَ المَلِكِ)).
30 - فغَضِبَ شاوُلُ على يوناثانَ وقالَ لَه: ((يا اَبنَ الفاجرةِ العاصيةِ أتَحسَبُني لا أعلَمُ أنَّكَ مُتَحزِّبٌ لاَبنِ يَسَّى لِخزيكَ وعارِ أمِّكَ؟
31 - فما دامَ اَبنُ يَسَّى حيُا على الأرضِ، فلا تَثبُتُ أنتَ ولا مَملَكتُكَ. والآنَ أرسِلْ مَنْ يَجيئُني بهِ، لأنَّهُ يستحِقُّ الموتَ)).
32 - فأجابَهُ يوناثانُ: ((لِماذا تَنوي قَتلَهُ؟ ما الذي فعَلَ؟))
33 - فصوَّبَ شاوُلُ الرُّمحَ إليهِ كما لو أرادَ أنْ يطعَنهُ بهِ، فعرَفَ أنَّ أباهُ عزَمَ على قَتلِ داوُدَ.
34 - فقامَ عَنِ المائِدةِ بِغضَبٍ شديدٍ، ولم يأكُلْ في ذلِكَ اليومِ، لأنَّهُ حَزِنَ على داوُدَ ولأنَّ أباهُ أهانَهُ.
35 - وفي الصَّباحِ التالي خرَج يوناثانُ إلى الحقلِ لِلِقاءِ داوُدَ حسَبَ الموعدِ، ومعَهُ خادمٌ صغيرٌ.
36 - وقالَ لِلخادِمِ: ((أُركُضْ واَلتَقطِ السِّهامَ التي أطلِقُها)). ورَمى بِسَهمِ سَقطَ أمامَهُ.
37 - فلمَّا بَلغَ الخادِمُ موضِعَ السَّهمِ ناداهُ يوناثانُ وقالَ لَه: ((السَّهمُ أمامَكَ)).
38 - ثمَ قالَ لَه: ((لا تَقِفْ. تَعالَ مُسرِعًا)). فالتَقطَ الخادمُ السَّهمَ وعادَ إلى مولاهُ.
39 - ولم يكنْ يَعلَمُ شيئًا، بل كانَ يوناثانُ وداوُدُ يَعلَمانِ ما يَعني هذا.
40 - ثُمَ أعطى يوناثانُ سِلاحَهُ لِلخادمِ وقالَ لَه: ((إذهَبْ وخذْهُ إلى المدينةِ)).
41 - فما أنِ اَنصرَفَ الخادِمُ حتى قامَ داوُدُ مِنْ جانِبِ كومةِ الحجارَةِ وسَجدَ على وجهِهِ إلى الأرضِ ثَلاثَ مرَّاتٍ. ثُمَ تَعانَقا وبكَيا، وكانَ بُكاءُ داوُدَ أشَدَ.
42 - وقالَ يوناثانُ لِداوُدَ: ((إذهَبْ بِأمانٍ. نحنُ حَلَفنا باَسمِ الرّبِّ وقُلْنا: لِيَكنِ الرّبُّ شاهدًا بَيني وبَينَكَ، وبَينَ ذرِّيَّتي وذرِّيَّتِكَ إلى الأبدِ)).

المشتركة - دار الكتاب المقدس